الجصاص

365

أحكام القرآن

واختلف الفقهاء في القاذف إذا جاء بأربعة شهداء فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، فقال أصحابنا وعثمان البتي والليث بن سعد : " لا حد على الشهود وإن كانوا فساقا " . وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف في رجل قذف رجلا بالزنا ثم جاء بأربعة فساق يشهدون أنه زان : " إنه يحد القاذف ويدرأ عن الشهود " . وقال زفر : " يدرأ عن القاذف وعن الشهود " . وقال مالك وعبيد الله بن الحسن : " يحد الشهود " . قال أبو بكر : ولم يختلف أصحابنا لو جاء بأربعة كفار أو محدودين في قذف أو عبيدا أو عميان أن القاذف والشهود جميعا يحدون للقذف ، فأما إذا كانوا فساقا فإن ظاهر قوله : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) قد تناولهم ، إذ لم يشرط في سقوط الحد عن القاذف العدول دون الفساق ، فوجب بمقتضى الآية زوال الحد عن القاذف إذ جعل شرط وجوب الحد أن لا يأتي بأربعة شهداء وهو قد أتى بأربعة شهداء ، إذ كان الشهداء اسما لمن أقام الشهادة . فإن قيل : يلزمك مثله في الكفار والمحدودين في القذف ونحوهم . قيل له : قد اقتضى الظاهر ذلك ، وإنما خصصناه بدلالة . وأيضا فإن الفساق إنما ردت شهادتهم للتهمة وكان ذلك شبهة في ردها ، فغير جائز إيجاب الحد عليهم بالشبهة التي ردت من أجلها شهادتهم ، ووجب سقوط الحد عن القاذف أيضا بهذه الشهادة كما أسقطناها عنهم إذ كان سبيل الشبهة أن يسقط بها الحد ولا يجب بها الحد ، وأما المحدود في القذف والكافر والعبد والأعمى فلم نرد شهادتهم للتهمة ولا لشبهة فيها وإنما رددناها لمعان متيقنة فيهم تبطل الشهادة وهي : الحد والكفر والرق والعمى فلذلك حددناهم ولم يكن لشهادتهم تأثير في اسقاط الحد عنهم وعن القاذف . ووجه آخر وهو أن الفساق من أهل الشهادة وإنما رددناها اجتهادا ، وقد يسوغ الاجتهاد لغيرنا في قبول شهادتهم إذا كان ما نحكم نحن بأنه فسق يوجب رد الشهادة قد يجوز أن يراه غيرنا غير مانع من قبول الشهادة ، فلما كان كذلك لم يكن لنا إيجاب الحد على الشهود ولا على القاذف بالاجتهاد ، وأما الحد في القذف والكفر ونظائرهما فليس طريق إثباتها الاجتهاد بل الحقيقة ، فلذلك جاز أن يحدوا ولم يكن لشهادتهم تأثير في اسقاط الحد عن القاذف . وأيضا فإن الفاسق غير محكوم ببطلان شهادته ، إذ الفسق ليس بمعنى يحكم به الحاكم ولا يسمع عليه البينات ، فلما لم يحكم بطلان شهادتهم ولا كان الفسق مما تقوم به البينات ويحكم به الحاكم لم يجز الحكم ببطلان شهادتهم في إيجاب الحد عليهم ، ولما كان حد القذف والكفر والرق والعمى مما يقع الحكم به وتقوم عليه البينات كان محكوما ببطلان شهادتهم وخرجوا بذلك من أن يكونوا من أهل الشهادة فوجب أن يحدوا لوقوع